الحكيم الترمذي
80
كيفية السلوك إلى رب العالمين
الصوافي . وهذا علم الرسل فمن دونهم من المحدثين ، فأمّا غيرهم فهم عجزة عن إدراك ذلك ، وأمّا تقوى الأرحام فتقواها من القطيعة ، والرحم مأخوذة من اسم الرحمن . وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لما خلق اللّه الرحم قامت فأخذت بحقوي الرحمن ، واستعاذت من القطيعة ، فقال لها : خلقتك بيدي ، وشققت لك من اسمي اسما ، وهذا مكانك مني ، لأصلنّ من وصلك ، ولأقطعنّ من قطعك » « 1 » . حدّثنا بذلك الفضل بن محمد عن محمد بن زياد اليشكري عن ميمون بن مهران عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وببعضه قتيبة بن سعيد عن جابر بن إسماعيل عن معاوية بن أبي مرود عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجرير بن أبي سنان عن سهل بن أسد عن كعب قال : « الرحم شجنة في منكب الرحمن ، فمن وصلها وصله ، ومن قطعها قطعه » « 2 » . فالرحم أصله من الرحمة ، وهو سبب بين الرب وبين العباد ، فهذه ثلاثة أسباب : الوصلة سبب منها المعرفة ، وسبب ثان العهد ، وسبب ثالث الرحم ، فبالمعرفة يتآخون ، وبالعهد يتعاملون ، وبالرحم يتواصلون . وروي عن موسى عليه السّلام أنه قال : يا رب أوصيتني بصلة الرحم ، فكيف بمن تباعد مني أرحامه في مشارق الأرض ومغاربها ، قال : يا موسى أحب لهم ما تحب لنفسك . فمن بلغ هذه المرتبة فقد صحّت معاملته ، وصحّت معرفته ، ألا ترى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا هريرة أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا » . فهذا ميزان به توزن العبودة ، وذلك أن اللّه - تبارك اسمه - جعل بعض عبيده في الرقّ ملكا لك حجة عليك ، ووضع في نفسك السهو حجة عليك ، ثم صيّر العبودة في هذين .
--> ( 1 ) روى نحوه الطبراني في الأوسط ، ذكر من اسمه هاشم ، حديث رقم ( 9317 ) [ 9 / 126 ] وأورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في الثلاثة التي تحت العرش [ 2 / 188 ] . ( 2 ) روى نحوه البخاري في صحيحه ، باب من وصل وصله اللّه ، حديث رقم ( 2 - 5643 ) [ 5 / 2232 ] وروى نحوه ابن حبان في صحيحه ، ذكر تشكي الرحم إلى اللّه جل وعلا . . ، حديث رقم ( 2 - 3 - 444 ) [ 2 / 5 - 186 ] .